كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 29 يناير 2012
الساعة: 16:27 م
نشرت المجلة الالكترونية للدراسات والابحاث القانونية في طنجة مقالا جديدا للباحث د. ع بورزيكي حول الدبلوماسية القطرية والحراك العربي. وذلك بتاريخ: 29/01/2012 للاضطلاع، يرجى فتح الرابط التالي:
أضحت التحركات الدبلوماسية القطرية، تمثل ظاهرة لافتة للنظر لدى المحللين والباحثين، وكذا المختصين في دراسة السياسات الخارجية الإقليمية والدولية؛ إذ تشير العديد من التقارير الرسمية ومراكز البحوث والأفكار العربية والعالمية إلى الدور المتعاظم، الذي لعبته الدبلوماسيات الخليجية، ولاسيما القطرية منها، في دعم ومواكبة الحراك العربي، أو ما يصطلح عليه إعلاميا بـ « الربيع العربي »، وأحيانا في التأثير على مساره السياسي في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبالفعل؛ فبالرغم من أن دولة قطر لا تحتل إلاَ مساحة صغيرة من الجغرافية العربية – الإسلامية، ( حيت لا تتجاوز مساحتها (11,521) كيلومترا مربعا،فيما لايتعدى عدد سكانها( 820 ) ألف نسمة، تبعا لوكالة الأنباء الألمانية في تقريرها الصادر بتاريخ : 19/05/2009[2]، أصبحت المكانة السياسية والإقليمية لقطر في توسَع واشعاع متزايد، إلى حدَ يمكن القول معه أن الفكرة القائلة بأن مقوم شساعة المساحة الجغرافية للدولة وعدد سكانها..، ينعكس، بالضرورة، على فعالية سياستها الخارجية – كما حدَده الاستراتيجيين الغربين أمثال «هانس مورغانتو» ( J Hans Morgenthau )- لم يعد ينطبق على الحالة القطرية.
و قد ترافق ذلك مع سياق إقليمي ودولي جدَ مضطرب، استفادت الدولة القطرية منه أيَما استفادة، حيت مثَلث الثورات العربية، المنطلقة مع بداية العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين كما سلف، دفعة قوية في مسيرة الدبلوماسية القطرية سياسيا وإعلاميا.
فما هي أسس ومقومات الدبلوماسية القطرية؟. و أيَة « دينامية » لها في ظل التحولات الاقليمية العربية والدولية الراهنة؟. و ماهي إمكانيات استمرار نجاحها والحدود المعيقة لذلك؟.
بين الدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الاعلامية
مثل باقي الدول الخليجية، تمتلك قطر العديد من المقومات الاقتصادية والسياسية، التي بإمكانها تعزيز ديبلوماسيتها وتطويرها. بيد أن ذلك، يبقى مرتبطا – إلى حدَ كبير - بقدرة الساسة القطريين على التدبير الناجع، الإستراتيجي والأمثل لتلك المقومات.
وقد تم اكتشاف النفط داخل قطر لأول مرة – كما هو وارد في الموقع الالكتروني الرسمي لوزارة الخارجية القطرية - في حقل دخان مند ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يتم تصديره تجاريا خلال الأربعينيات. وحتى تحمي صناعتها النفطية الناشئة وتضمن تطورها وازدهارها، انخرطت قطر في منظمة « الأوبك » (OPEC)[4]، التي أنشئت في ستينيات القرن العشرين، لاسيما وأن الكميات المستخرجة من البلاد كانت هائلة؛ إذ بلغت الطاقة الانتاجية لقطر من النفط الخام حوالي (850) ألف برميل. بينما تجاوزت حصتها من الغاز الطبيعي المسال ( 18 ) مليار متر مكعب في اليوم من حقل الشمال[5] .
إن ارتباط الصناعات في الدول الغربية المتقدمة والمصنَعة مثل دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة واليابان والصين والقوى الصاعدة كالهند وأندونسيا وكوريا الجنوبية بالطاقة النفطية، و كذا تزايد الطلب العالمي على الطاقة النفطية وفَر لقطر – باعتبار أن النفط يمثل الركيزة الأساسية لاقتصادها – رؤوس أموال هائلة لتحقيق التنمية الاقتصادية الداخلية؛ إذ يتمتع المواطنالقطري بأعلى دخل للأفراد في العالم،ويبلغ معدَل دخله أكثر من (85) ألف دولار سنويا بحسب نشرة صندوق النقد العالمي لعام 2008، طبعا إلى جانب دول خليجية أخرى مثل الكويت والسعودية.
وبالرجوع إلى التقرير السنويللمنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) لسنة 2011،حلَت قطر بالمرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وحازت المركز (14) في تصنيف التنافسية العالمية. وبموجب ذلك حصلت على رقم قياسي جديد مقداره (5.24) نقطة، ممَا أهّلها للانتقال منالمرتبة (17) في سنة 2010 إلى المرتبة(14) في هذه السنة من بين (142) دولة شملهاالتقرير العالميللتنافسية (GCR) وبحسب التقرير «فإن الميزة التنافسية في دولة قطر تعتمد على دعائم ثابتة،وهي الأطر المؤسساتية ذات الكفاءة العالمية، البيئة الاقتصادية المستقرةوسوق سلع فعال. بالإضافة إلى عدم وجود الفساد والاستقرار الأمني والمالي»[6].
ولاشك أن توافر كل تلك الامكانيات سوف يسهَل للقادة القطريين الاضطلاع بدبلوماسية اقتصادية فاعلة عربيا وعالميا، في حالة التوظيف الأمثل والرشيد لها.
بيد أنه لايمكن الإطمئنان إلى كل ذلك على المستوى الاستراتيجي والبعيد، نتيجة الأساس الريعي وغير المنتج، الذي ينبني عليه الاقتصاد القطري؛ فبالرغم من وجود مخزونات معدنية هائلة في المناطق الصحراوية والجبلية، لم تستطع قطر بناء صناعة حقيقية، قادرة على رفع تحدي التبعية الاقتصادية، التكنولوجية، العسكرية والتجارية إزاء الدوائر الرأسمالية الكبرى، الأمر الذي يؤثر بدوره على استقلالية القرار السياسي والدبلوماسي القطري، داخل نظام اقتصادي دولي لازالت تحكمه معادلة التقسيم الدولي للعمل التقليدية[7]، بالرغم من الرجات العنيفة والقوية، التي هزته، سواء خلال أزمة الغداء العالمية لسنة 2008، أو فيما يرتبط بأزمة الديون الأمريكية، التي لازالت مستمرة راهنا، بعد أن عبرت عدواها الأطلسي نحو دول اليورو الأوربية، وعلى رأسها اليونان.
الاستثمارات الخارجية
مثلما سلف، يعود العائد النفطي على قطر بسيولة مالية هامة، تقدَر بملايير الدولارات؛ فحسب التقرير الذي أصدرته الدائرة الاقتصادية لمجموعة سامبا المالية، من المنتظر أن يصل الدخل الوطني إلى (213) مليار دولار بحلول سنة 2016. كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل الناتج المحلي الإجمالي الإسمي إلى (224) مليار دولار بحلول 2015. و بذلك من المقدر أن يصل دخل الفرد إلى ما يزيد على (114،000) دولار[8]. و مما لاشك فيه أن كل هذه الامكانيات المالية الضخمة، التي تزيد – في الغالب الأعم – عن حاجة القطريين يتم استغلالها في بناء التحالفات وكسب الأصدقاء واستبعاد الأعداء، سواء عبر المساعدات أو الهبات والعطايا، كما حصل حينما أمدَت الحكومة القطرية الثوار الليبيين بالمياه والأسلحة، وقدَمت لهم مساعداتتتجاوز (400) مليون دولار. أو عبر آلية الاستثمارات الخارجية، التي صارت تمثَل وسيلة هامَة وفعالة في يد السياسة الخارجية القطرية، لغرس النفوذ القطري ودعم الدبلوماسية الاقتصادية القطرية في العديد من الدول العربية مثل مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011، التي من المتوقع أن يقارب حجم الاستثمارات القطرية فيها (15) مليار دولار، أو فيما يخص تونس، التي يتوقع أن تستفيد من استثمارات قطرية قد تتجاوز (20) مليار دولار خاصة في ظل الدعم، الذي ما فتئت تقدَمه الحكومة القطرية للثورة التونسية. وكذا نتيجة التقارب المشهود للقيادة القطرية مع الجناح الإسلامي التونسي بقيادة حركة النهضة.
بيد أن ما يلاحظ هو السيطرة الكبيرة للاستثمارات الأمريكية والأوربية على المال القطري، في مقابل إهمال مشهود للجانب العربي والإسلامي، إذ تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر شريك تجاري لقطر بمعدل ثلاثة مليارات ريال قطري خلال سنة 2009[9]، وتكاد تسيطر الشركات الأمريكية على مجموع الاحتياجات التكنولوجية والاقتصادية للبلاد مثل شركة بوينغ في مجال الطيران وأركستون في مجال البناء و إيركو/ بارسو للسكك الحديدية. و بالرغم من هشاشة الاستثمارات القطرية في الدول الغربية؛ لكونها لاتتجاوز – غالبا – المعاملات المالية والفندقية، فهي تستغل سيولة مالية جدَ ضخمة، كان من المحبَد والممكن استغلالها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية العربية المهمَشة والفقيرة، حتى يأخد التضامن العربي والاسلامي معناه المرجو والمستحق.
قناة الجزيرة والسياسة الخارجية القطرية
يؤكَد الباحث الأمريكي د. « فيليب تايلور» (PhilipM. Taylor) فيكتابه المعنون: « قصف العقول»[10](Munitions of the Mind)والمترجم عن الإنجليزية أن تاريخ الحروب، هو تاريخ طويل للدعايات السياسية والاعلامية المغرضة، التي تقود دائما إلى إشعال فتيل التوتر والنزعات وإراقة الدماء، لافرق في ذلك بين الحروب التقليدية والحروب المعاصرة، وحتى الحروب النووية لاقدَر الله. الأمر الذي يجعل الآلة الاعلامية وسيلة جبَارة للتأثير على العقول، وتشكيل الرأي العام إمَا لتقبل الحروب ونتائجها الكارثية وكأنها انتصار بدون معنى، أو إذكاء روح العدوانية والانتقام لدى الشعوب حتى تزدهرصناعة الحرب، لصالح لوبيات بعينها. و بالفعل؛ فمع التطور التكنولوجي الهائل، الذي تعرفه الآلة الاعلامية المعاصرة، أصبح الإعلام يتجاوز مهاهمه التقليدية: الإخبار والتوعية والتثقيف، ليعانق أدوار أخرى أشدَ تعقيدا من ذي قبل، إذ صارت الدول تستغل القنوات الاعلامية في تمرير العديد من سياساتها الداخلية والخارجية. وبالنسبة لقناة الجزيرة القطرية، فقد كشفت وئائق « وكيليكس» أن قطر بدأت منذ مدَة ليست بالقصيرة في استغلال القوة الإعلامية للجزيرة سياسيا وإعلاميا كوسيلة للضغط السياسي والإعلامي إزاء محيطها العربي – الإسلامي والدولي، والأمر نفسه أكَدت عليه صحيفة »ذي غارديان» البريطانية في معرض تعليقها على تلك الوثائق، إذ أفادت أن قطر تستخدم قناة الجزيرة الفضائيةكـ«أداة مساومة في مفاوضاتها مع بعض الدول». وذلك في مواجهة الاستقلالية، التي ما فتئت تعلنها القناة[11].
وبالعودة إلى الواقع المعيش، نجد أن قناة الجزيرة لعبت دورا كبيرا في تأجيج الحراك العربي و تصدير الثورات العربية إعلاميا، بشكل أبان عن الاحترافية والمهنية العالية، التي يتمتع بها أطرها؛ فانطلاقا من الثورة التونسية مرورا بالمصرية والليبية إلى الثورة اليمنية والسورية، شكلت الجزيرة رافعة إعلامية كاشفة في مواجهة الإعلام العربي الرسمي، الذي استمر في سياسة الصمت والتجهيل والتضليل، ومصدر إلهام للثوراث الشبابية داخل الوطن العربي. بل إنها أصبحت – في كثير من الأحيان - مصدر خبر للأوربيينوالأمريكيين الذين انعدمت ثقتهم في قنواتهم بعد سقوط موضوعيتها في تغطيتهالكثير من القضايا وعلى رأسها القضية الفلسطينية والربيع الديمقراطي العربي[12].
وإذا كان جلَ المهتمين والباحثين يتفقون حول مكانة وقوة القناة إعلاميا ومهنيا، فإن الكثير منهم لايكاد يسلَم بالاستقلالية التامة للخط التحريري لها، سواء من حيت طريقة تناولها للخبر في الأقطار العربية، أو من حيت تماهيها مع السياسة الخارجية القطرية إزاء العديد من القضايا الدولية والاقليمية، وماأثاره ذلك من ردود فعل غاضبة لم تقتصر على التضييق على القناة وصحفييهاوطرد مراسليها، بل جرَت معها إشكالات دبلوماسية بين دولة قطر والكثير منالدول العربية كالمملكة العربية السعودية، ومصر حسني مبارك، والسلطةالفلسطينية، والمغرب واليمن وغيرها... كما يشير إلى ذلك الباحث مصطفى هطي.
وقد بلغ هذا الغضب ذروته مع الربيعالديمقراطي العربي، إلى درجة دفعتبالعديد من الإعلاميين الكبار إلى تقديم استقالاتهممن القناة،«لأسباب تعود إلى الاختلاف حول الخط التحريري للقناة، وما اعتبرهالبعض انحيازا وانعدام الموضوعية والحياد في تناول الإخبار، أو خدمة أجندةأمريكية وصهيونية بدون وعي، أوخرق ميثاق الشرف الذي يجمع القناة بإعلامييهابغياب الدقة في نقل الخبر. وكان أبرز هؤلاء الإعلامي غسان بنجدو، وقبلهأكرم خزام، و مدير القناة في مصر حسين عبد الغني، ويسري فودة، ولونة الشبل،وغيرهم ممن استقالوا لواحد من تلك الأسباب أو أكثر»[13].
فإلى أي حدَ استطاعت الدبلوماسية القطرية استغلال كل هذه المقوَمات في النهوض بالمكانة السياسية والدبلوماسية للبلاد داخل نظام اقليمي عربي قيد التشكل؟.
بين الدبلوماسية التقليدية -المحافظة والدبلوماسية التدخلية
مند استقلال التراب القطري عن الاستعمار الانجليزي في سنة 1971 إلى حدود الوقت الراهن ، يمكن القول أنَ السياسة الخارجية القطرية شهدت مرحلتين متمايزتين في تاريخ الدبلوماسية القطرية المعاصرة : مرحلة ما قبل تولي الأمير حمد بن خليفة آل ثاني السلطة في يونيو 1995، إثر انقلابه على والده، ومرحلة ما بعدها؛ ففي عهد والده إهتمَت الدبلوماسية القطرية بالتأسيس لهياكلها وإرساء دعائم وجودها الخارجي، عبر تبادل السفارات والبعثات الدبلوماسية مع مختلف دول العالم والانخراط في المنابر الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدةوالجامعة العربية ومجموعة عدم الانحياز... كما قدَمت مساعدات ومعونات اقتصادية مهمَة للدول العربية والإسلامية المحتاجة، وكذا دول العالم الثالث في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. و بالرغم من الانضمام المبكَر لقطر لمجلس التعاون الخليجي، المؤسَس في سنة 1981 وانصهارها اقليميا في المنظومة الخليجية الناشئة، لم تتجاوز السياسة الخارجية القطرية طابعها المحافظ والتقليدي، إذ ظلت منكفئة على تأمين محيطها الخارجي القريب دبلوماسيا وعسكريا، دون القيام بأية مبادرات تدخلية معتبرة لدى دول الجوار العربي والإسلامي. وذلك سواء عبر التحالف مع جيرانها الخليجيين، أو من خلال إبرام تحالفات مصلحية، ذات سمة تجارية وعسكرية مع العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، قصد الحماية العسكرية. وذلك من خلال إقامة القواعد العسكرية وشراء الأسلحة والمعدات ، الأمر الذي جعل قطر في تبعية مستمرة للخارج، شأنها في ذلك شأن باقي دول الخليج الأخرى، كما سلف.
كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 17 ديسمبر 2011
الساعة: 16:52 م
نشرت المجلة الإلكترونية للأبحاث والدراسات القانونية مقالا للباحث د. ع بورزيكي حول منظور حزب العدالة والتنمية المغربي للسياسة الخارجية المغربية. وذلك بتاريخ: 14/12/2011 للاضطلاع، يرجى فتح الرابط التالي:
إن دخول المغرب مرحلة تركيز مكتسبات الانتقال الديمقراطي مع الانتخابات التشريعية لـ 25 نوفمبر[1]2011، وتعيين الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة بعد فوز حزبه بالمرتبة الأولى في الانتخابات سالفة الذكر، بمعدل (107) أصوات من أصل (395) صوتا يجعل مقاربة تصور السياسة الخارجية لدى الفاعل الحزبي المغربي، ذو الاتجاه الإسلامي من الأهمية بمكان، لاسيما بعد مطالبة المؤسسة الملكية، بموجب خطاب 6 نونبر2009 بضرورة تحمّل الأحزاب لمسؤولياتها كاملة في الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، وعلى رأسها قضية الصحراء[2]. وذلك عبر تفعيل دبلوماسيتها الموازية، لصدّ خصوم الوحدة الترابية والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي.
بيد أن قدرة الأحزاب على تولي ذلك، تبقى محدودة، تبعا لمجموعة من الحدود والمعيقات المرتبطة بالبيئة الموضوعية لصناعة قرار السياسة الخارجية الرسمية من جهة ( المجال المحفوظ، ضعفالمقاربة التشاركية…). وبالبيئة الذاتية للفاعل الحزبي نفسه من جهة أخرى ( غياب الديمقراطية الداخلية، عسر إدارة الإختلاف، فشل التكتلات…).
وبالرغم من حداثةنشأته وتواضع تراثه الفكري والمذهبي[3]، وكذا السلوكي والحركي في مجال السياسة الخارجية والدبلوماسية الموازية، مقارنة بأحزاب الحركة الوطنية ذات الإمتداد التاريخي، مافتئ حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي المعتدل، يسير في اتجاه تعزيز الإجماع الوطني حول الوحدة الترابية والإلتزام بالأسس السياسية للبلاد والإنخراط في أوراش الإصلاح الوطني، بغض النظر عن القيود السياسية، التي كانت تفرض عليه، من خلال إستغلال البعض معطى الحساسية، الذي أصبحت تثيره المسألة الإسلامية في عالم يتغير، للحجز على الحزب[4]. وذلك قبل أن تدفع به رياح الحراك الديمقراطي العربي والمغربي إلى الواجهة أخيرا، بعد الصعود الديمقراطي البارز للحركات والأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد الثورة في كل من تونس ومصر. فما مدى حضور السياسة الخارجية في برامج الحزب؟. وما هي التصورات التي يحوزها حول التوجهات العامة للسياسة الخارجية؟. وما هي القيود الواردة على دوره ذاك؟.
أولا: مدى حضور السياسة الخارجية في برنامج الحزب.
إذا كانت السياسة الخارجية تحضى بأهميةمعتبرة في برامج الأحزاب السياسية الأوروبية، إعتبارا للمكانة التي تحتلّها داخل أنظمة سياسية تتّسم بالشفافية والدستورانية، وكذا التفعيل الحازم والملزم للقيم الديمقراطية، على الأقل داخل حدودها الوطنية[5]، فإنّ العكس هو الحاصل لدى الأحزاب السياسية المغربية إذ لا تكاد تأخد السياسة الخارجية قيمة تذكر[6]، في مقابل سيادة القضايا الإجتماعية والإقتصادية. ولا تخرج حالة حزب العدالة والتنمية عن هذه القاعدة، التي تبدو عامة ولا يحظر ضمنها الإستثناء إلا لماما. وذلك بالرغم من الميولات المتزايدة للحزب نحو إعتماد مادة السياسة الخارجية كأداة للمنافسة السياسية على المستوى الداخلي، سواء في مواجهة منافسيه السياسيين من باقي الأحزاب، أو إزاء النظام السياسي في حدّ ذاته[7]، عبر كمّ الأسئلة الشفهية والكتابية الحسّاسة والمحرجة التي يوجّهها لوزير الخارجية داخل غرفتي البرلمان، والتي تنصبّ غالبا على نقد السكون والإنتظارية اللذين يطبعان تحركات الدولة إزاء الأزمات الديبلوماسية التي تعرفها السياسة الخارجية المغربية المعاصرة ( قطع العلاقات الديبلوماسية مع إيران، قضية التامك ورفاقه، قضية أمنتو حيدر…(، أو في ما يخص تأهيل الجهاز الديبلوماسي والقنصلي للوزارة وإعادة هيكلته، بما يتناسب مع التحولات المتسارعة التي تعرفها العلاقات الدولية الراهنة، وكدا مع تطورات العولمة والعصر الرقمي والتعدّد المتزايد في أشكال الدبلوماسية المعاصرة: الديبلوماسية الاقتصادية الشعبية، الحزبية، والرياضية[8]…
إن انشغال الحزب بالقضايا الخارجية، يتبدى واضحا أيضا من خلال الخطاب الإحتجاجي الذي ما فتئ يواجه به السياسة الخارجية و طريقة تفاعلها مع قضايا النزاع في الشرق الأوسط، من خلال عدد من المظاهرات التي شارك فيها الحزب للتنديد بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني كما بدا على إثر عدوانها على قطاع غزة في نهاية سنة 2008 وبداية 2009. وكذا عبر رفض التدخلات الأمريكية المتتالية في العالمين العربي والإسلامي والمشاريع الإصلاحية المفروضة بالقوة على الأمة الإسلامية، بداية من رفضه لمشروع الشرق الأوسط الكبير وتنديده بإقامة منتدى المستقبل بالمغرب خلال سنة 2004، إلى شجبهحضور وزيرة الخارجية الإسرائيلية «تسيبي ليفني» السابقة ورئيسة حزب «كاديما» الإسرائيلي حاليا في «مؤتمر ميدايز»الذي أقيم، تباعا، بالمغرب في نهاية سنة 2009 و 2010 و 2011؛ففي الوقت الذي تتشبّث فيه الديبلوماسية الرسمية بمنطق المسافات الإحتياطية وسياسة الإرتباك والتردد وعدم الحسم، في التعاطي مع بؤر النزاع بالشرق الأوسط، وفي تدبير التداعيات الدولية الناشئة عنها ) تعتبر هذه السياسة بمثابة ثابت تقليدي في تعاطي السياسة الخارجية المغربيةمنذ استقلال البلاد في 2 مارس 1956. وهي نفس الحجة التي اعتمدها الخطاب الرسمي في تبرير تأخر انضمامه إلى الجامعة العربية حتى سنة 1958، في الوقت الذي انضم فيه المغرب مباشرة بعد استقلاله إلى الأمم المتحدة[9](، يذهب الحزب بعيدا في مطالبة الديبلوماسية الرسمية باتخاذ مواقف شجاعة وجريئة إزاء الإستهداف الاسرائيلي والأمريكي للعالمين العربي والإسلامي، والإنخراط كلّيا في مقاومة المشاريع الهيمنية للغرب، بدل العمل على خدمة الطموحات التحكمية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين، سواء بقصد أو عن غير قصد.
فإلى أي حدَ سوف يستطيع الحزب تنزيل كل ذلك في تصريحه الحكومي المرتقب أمام البرلمان؟ وهل سوف تساعده تحالفاته مع أطراف يسارية (حزب التقدم والاشتراكية) وأخرى ليبرالية (حزب الحركة الشعبية) ومحافظة (حزب الاستقلال) على الإتفاق حول الحدَ الأدنى من تلك التصورات؟ أم أن ضغوط التحالفات وإكراهات التدبير الحكومي، فضلا عن بنية النظام السياسي المغربي نفسه، سوف تقف سدَا دون ذلك؟
إنَ التصريح الأخير لرئيس الحكومة المعين السيد عبدالإله بنكيران بأنه يريد علاقات متوازنة مع أمريكا وأروبا، وبأن التعاون الاقتصادي المغربي – الأوربي خيار لارجعة فيه، ينبئ عن أن الحزب سوف يكون أكثر واقعية وبرغماتية في التعامل مع موقعه الجديد داخل دائرة التصريف الحكومي…
بيد أنّه بالرغم من ذلك، فكما سلف؛ تبقى قضايا السياسة الخارجية باهتة الحضور في البرنامج السياسي للحزب؛ فمن خلال استطلاع مدى حضور السياسة الخارجية في برنامجه الانتخابي على ضوء تشريعيات 7 شتنبر2007، نجد أنه لم يخصص لقطاع الخارجية من بين المحاور الثمانية التي خصّصها للبرنامج الانتخابي غير محور واحد، وهو المحور الثامن المتعلّق بتقوية سيادة المغرب واسترجاع إشعاعه الحضاري. ولم يضم هذا المحور سوى سبع صفحات من أصل (91) صفحة التي تمثل مجموع الكتاب[10]. والأمر نفسه لوحظ في برنامجه الانتخابي المخصَص للانتخابات المبكرة لـ25 نوفمبر المذكورة، مع بعض المستجدات فيما يخص الحراك الديمقراطي العربي وكيفية تعامل المغرب معه اقليميا وعربيا.
وبالعودة لانتخابات 7شتنبر2007، نجد أن أحزاب الكتلة لم تعر بدورها اهتماما لائقا بقضايا السياسة الخارجية، فمن بين الأهداف التسعة التي حدّدها حزب الاستقلال كمفاصل لتنشيط حملته الانتخابية، خصّص الحزب محورا واحدا فقط للسياسة الخارجية، هو المحور الثامن ما قبل الأخير، والمعنون بتقوية مركز المغرب دوليا والسعي إلى بناء الوحدة المغاربية.وعلى خلاف باقي المحاور، لم يتضمن المحور الثامن المتعلق بالسياسة الخارجية إلا فقرة صغيرة مقتضبة مصاغة بشكل عام لا يتعدى (10) أسطر.
وبدوره لم يخصص حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من ضمن محاوره الإنتخابية الستة سوى محور واحد، هو المحور الخامس المعنون بمغرب التعاون والانفتاح، والواقع ما قبل المحور الأخير. أما حزب التقدم والاشتراكية، فالسياسة الخارجية تكاد تكون شبه منعدمة في برنامجه الانتخابي؛ فمن بين المحاور العشرة التي خصّصها الحزب لحملته الإنتخابية، لم نعثر على أيّ محور للسياسة الخارجية.
ولا شك أن ذلك يعود إلى أن المراهنة على قضايا السياسة الخارجية في الحملات الانتخابية من النمط المغربي، لا تقود حتما إلا إلى الفشل المحقّق للحزب في الانتخابات، فضلا عن أن طبيعة السياسة الخارجية، في حد ذاتها، تحول دون وجود القضايا الدبلوماسية كمحاور رئيسية وأساسية ضمن المنافسات الانتخابية[11]، إذ يسري هذا الحكم، مع استثناءات قليلة بصفة عامة سواء في الدول الديمقراطية، أو داخل دول العالم الثالث؛ ففي الحلمة الانتخابية الرئاسية الفرنسية خلال سنة 2007، لوحظ عدم الاهتمام الجاد لكلا المرشحين بالسياسة الخارجية، سواء بالنسبة للرئيس ساركوزي (sarkozy)، أو لمنافسته الاشتراكية الخاسرة في الانتخابات، مقابل تركيزهما على اهتمامات الحياة اليومية للمواطن الفرنسي: الشغل، التعليم، السكن، الصحة.
وللتوضيح أكثر، نشير إلى أنّ الأستاذ عبد الحق جناتي إدريسي، يرى أن ضعف اهتمام الأحزاب السياسية المغربية بالسياسة الخارجية في حملاتها الانتخابية يعود إلى أربعة عوامل على الأقل:
- الاعتقاد التام للأحزاب بكون السياسية الخارجية المغربية تدخل ضمن دائرة المجال المحفوظ لرئيس الدولة Domaine Réservé))؛ فوزارة الخارجية، هي وزارة سيادة غالبا ما يتولاها وزراء «تيكنوقراط»، وحتى في بعض الحالات النادرة التي شغلها وزراء حزبيون ) بلافريج، عبد الله إبراهيم، بوستة…(. لم يكن أولائك الوزراء إلا منفذين لتوجيهات الملك. ولم تتشكَّل قط السياسة الخارجية للبلاد على ضوء البرنامج السياسي، أو الإنتخابي للأحزاب المنتمين إليها؛
- الإنشغال الكبير للأحزاب بالمشاكل الداخلية في برامجها الانتخابية، سواء منها الاجتماعية، أو الاقتصادية… كما سلف، الأمر الذي يجعل السياسة الخارجية في مرتبة ثانوية؛
-إن سيطرة الأمية على شريحة عريضة من المجتمع المغربي، جعلت من السياسة الخارجية قضية نخبوية لا تهتم بها
كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 18 أكتوبر 2011
الساعة: 11:16 ص
نشرت المجلة الالكترونية للدراسات والأبحاث القانونية مقالا جديدا للباحث د. عبدالنبي بورزيكي بعنوان: الإعاقة في المغرب: بين تدبير الدولة وتدبير المجتمع المدني. وذلك بتاريخ: 18/10/2011 ويمكن الاضطلاع على المقال على الرابط التالي: www.droitplus.net
الإعاقة([1]) في المغرب: بين تدبير الدولة وتدبير المجتمع المدني.([2])
مقدمة:
رغم التقدم النسبي الذي عرفه المغرب في مجال حقوق الإنسان، لا تزال الإعاقة تشكّل حاجزا حقيقيا للفرد في سبيل انبثاق شخصيّتة وتطوير إمكانياته، والمشاركة في تحقيق التنمية المستدامة، إذ إن انضمام المغرب إلى دائرة الدول الموقّعة على الإتفاقية الدولية للأشخاص المعاقين بتاريخ 30 مارس2007، ([3]) لم ترافقه عملية تطبيق و أجرأة مباشرة وحقيقية لنصوص تلك الإتفاقية سواء في جوانبها الإجتماعية (البطاقة، الولوجيات، الإعالة الاجتماعية..)، أو الإقتصادية (تعزيز حظوظ الشخص المعاق في التوظيف..)[4].
وأمام هذا التعثر؛ فقد سارعت المنظمات المدنية المهتمة إلى ملئ الفراغ الذي تركته الدولة في هذا المجال، عبر تأسيس العديد من الجمعيات المدنية، التطوعية والتضامنية، الهادفة إلى النهوض بوضعية الشخص المعاق ومساعدته على الإندماج في المجتمع.
وإذا كانت الدولة تتذرّع، في الغالب الأعم، بغياب الإمكانيات، لمواجهة الإحتجاجات المتصاعدة للأشخاص المعاقين وتكتلاتهم المدنية، فإن السؤال يبقى مطروحا حول طبيعة الإستراتيجية التي تتعامل بها الدولة إزاء حقل الإعاقة بالمغرب؟. وكذا حول البدائل الممكنة لتطوير إهتمام الدولة والجمعيات المدنية بملف الإعاقة، في ظل العولمة والعصر الرقمي، الذي يبدو أن العالم أصبح فيه من دون حواجز، في الوقت الذي يستمر فيه «المعاق النامي» في مواجهة مصاعب وحواجز شتى، تحول دون حفظه لكرامته وتحقيق العيش الكريم داخل الأسرة والمجتمع؟.
أولا: الإعاقة في الإستراتيجية الرسمية: حضور التنصيص وتعثر الأجرأة.
لا شك أن ما يميز تعاطي النسق القانوني والإجتماعي المغربي مع وضعية الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة: المعاقون، المكفوفون، الصم، البكم..، هو التواجد النسبي للنصوص القانونية المؤطّرة للظاهرة (1)، في غياب الرغبة السياسية الحازمة لصانعي القرار الإجتماعي والإقتصادي في أجرأة تلك النصوص وتطبيقها(2). وبذلك يبقى البطء والإنتظارية، السمة المتحكّمة في مسلسل تدبير الإعاقة في البرامج الرسمية.
1- المعاق في التشريع المغربي: ضعف المقاربة القانونية.
إن دراسة ومقاربة وضعية المعاق في التشريع المغربي، تتطلب استحضار مجموع النصوص القانونية الوطنية والدولية الموقّع عليها من لدن المغرب، وعلى رأسها الإتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، المصادق عليها من لدن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 13 دجنبر 2006، والتي تعدّ أوّل إتفاقية خاصة بحقوق الأشخاص المعاقين([5]).
وهكذا، فمن خلال العودة إلى نصوص الدستور، باعتباره يمثّل التشريع الأسمى للدولة، نجده ينص في ديباجته على التزام المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، أي انطلاقا من مرجعياتها العلمانية والليبرالية الغربية، المتضمّنة أساسا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر في 10 دجنبر1948 والبروتوكولين الملحقين به، والمتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية و الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. فضلا عن باقي الإتفاقيات الحقوقية الإقليمية، المتّصلة بمجال حقوق الإنسان، سواء داخل المجالين العربي-الإسلامي والإفريقي، أو في المجال الأوروبي-الأمريكي([6]).
كما أنّ تصفّح المتن الدستوري المغربي، يكشف تنصيص الفصل الثامن على أن «الرجل والمرأة متساويان في التمتّع بالحقوق»، بعض النظر عن وضعيتها البدنية والصحية. و يؤكد الدستور أيضا على حق المواطن المغربي في الحصول على الشغل والسكن والصحة. وباقي الحقوق التي تعتبر ضرورية لنمو وانبثاق شخصية الكائن البشري.
ورغم أنّ التنصيص على حقوق الفرد المعاق بصفته تلك داخل النص الدستوري، يبقى غائبا،([7]) فقد تضمّن القرار الوزاري، الصادر عن الوزير الأول في سنة 1993 تحديدا للمناصب الممكن إسنادها إلى الأشخاص المعاقين بالأولوية، وكذا النسبة المئوية التي ينبغي تخصيصها لهم في إدارات الدولة؛ وهي نسبة ضعيفة لا تتجاوز7%، مقارنة مع الشعارات الإجتماعية المرفوعة، ومع حجم الدعم والرعاية اللتين ينبغي أن يحضى بهما المعاق داخل المجتمع، والتي تعدّ معيارا أساسيا لقياس مدى تحضّر وتقدم المجتمعات. وكذا مدى المكانة التي تحتلّها الدولة الراعية داخل المنتظم الدولي. وذلك استنادا إلى مواثيق العديد من المنظّمات الإقليمية والدولية: الحكومية وغير الحكومية، العاملة في الميدان الإنساني والتضامني.
ويمكن أن نشير أيضا في هذا الصدد إلى القانون رقم (92-07) المتعلّق بالرعاية الإجتماعية للمعاقين، وأيضا المرسوم رقم (218-97-2). ([8])
أما فيما يرتبط بالمدونة الجديدة للشغل التي أشارت لأول مرة في تاريخ التشريع المغربي المعاصر إلى خصوصية وضع الأجير المعاق، لاسيما بعد إحداث كتابة الدولة المكلّفة بالأشخاص المعاقين([9])؛ ففيما يخص المقتضيات الجديدة التي جاءت بها، نجدها قد أسندت حقوقا إيجابية بالنسبة للشخص المعاق، سواء على مستوى فتح باب التشغيل أمامه، أو بتأكيدها على أنّ الإعاقة لا يمكن أن تكون سببا في الفصل من العمل([10]).
بيد أنها ربطت ذلك بمدى توفر الشخص المعاق على المؤهلات الضرورية لذلك، الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال، ويؤدي إلى تغييب المقاربة الإجتماعية والإنسانية التي يجب أن تنبني عليها المدونة، حين الحديث عن تشغيل الشخص المعاق، إذ إن الكلام عن المؤهلات بصيغة صلبة وجامدة، من دون مرونة تذكر، مراعاة لوضعية الإعاقة، يمكنه أن يحيل على الإرادة المبيّتة للمشرع في وضع شروط قد لا تعمل إلاّ على تكريس النظرة الدونية إلي المعاق، والتأسيس بشكل قانوني للإقصاء والتهميش الذي يعانيه.
ولتفادي ذلك كان أحرى بالمدونة أن تتحدّث عن إمكانيات لا عن مؤهلات، قد تجعل الشخص المعاق متساويا مع الأسوياء في طلب الشغل، وبالتالي تعطيل تفعيل القرار الوزاري المرتبط بتخصيص «كوطا» قدرها 7% للشخص المعاق.
وبالتوقيع على الإتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة المذكورة، (وهو سلوك يحسب للحكومة المغربية، باعتبارها كانت من بين الموقّعين الأوائل على الإتفاقية، بغضّ النظر عن التحفّظ الذي أبدته إزاء البروتوكولين الملحقين بها)، يكون المغرب قد وضع على عاتقه إلتزامات كبيرة، متّصلة بتأهيل الشخص المعاق للإندماج في الحياة العامة، وضمان حقّه في التمدرس و الصحة والشغل، بما يدفع نحو تجاوز المقاربة الإحسانية التي ما فتئت الطبقة السياسية تنهجها إزاء التعامل مع الإحتياجات والمطالب المشروعة لذوي الإحتياجات الخاصة. وذلك لصالح مقاربة حقوقية تنبني على التدبير الحكيم والمعقلن لمجال الإعاقة في المغرب. فهل يتطابق، يا ترى، الوضع القانوني للمعاق مع وضعه الواقعي؟.
2- واقع الشخص المعاق: بين التهميش وقصور الإدماج.
تؤكد الإتفاقية الدولية للمعاق على «أهمية إدماج قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة كجزء لا يتجزأ من إستراتيجيات التنمية المستدامة ذات الصلة». فما مدى حضور ذلك في التدبير الرسمي لملف الإعاقة؟.
نادرا ما تترجم المقتضيات القانونية المذكورة سلفا الوضعية الواقعية للمعاق في سوق الشغل، سواء داخل القطاع العام، أو القطاع الخاص بشكل حقيقي وآمين، إذ إن ما يلاحظ هو التهميش والإقصاء الكبيران اللّذان تعانيهما فئة الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة داخل النسيج الإقتصادي الوطني، وهو ما يحيل دون إشراك المعاق في تحقيق التنمية الإقتصادية، ومساعدته على الإنفتاح والخروج من العزلة، التي صنعتها له إعاقته في نظر الآخرين.
وهكذا؛ فمن خلال رصد المجال الجغرافي والعمراني الذي يعدّ بمثابة البنية التحتية، أو الأولية لتطوير قدرات المعاق وتأهيله، يظهر واضحا قصور الدولة والممثل الجماعي المحلي في توفير الولوجيات (Accessibilités) الضرورية لتنقل الشخص المعاق للمدرسة، أو الجامعة، أو الطبيب، إذ تكاد تغيب تلك الولوجيات في معظم المرافق العمومية والخاصة على حدّ سواء. ويرجع ذلك إلى التعطيل المستمر الذي يعرفه تطبيق القانون رقم (03-10) الخاص بالولوجيات والصادر في 12 ماي 2003.
وبالنسبة لواقع تعليم الطفل المعاق، يُسجّل عدم استفادة غالبية الأطفال ذوي الإعاقة من برامج التعليم الأساسي؛ فرغم قيام الحكومة المغربية بصياغة خطة من خمس سنوات (من 2008 إلى 2012)، لتوفير التعليم الأساسي لهذا القطاع الحسّاس، لا يزال عدد المستفيدين منه ضعيفا للغاية، إذ لم يسجّل في البرنامج، حسب الإحصائيات الرسمية، سوى (74.730) طفلا معاقا من العدد الإجمالي المتراوحة أعمارهم بين (4) و (15) سنة([11]). ولعلّ ذلك يرجع إلى العديد من العوامل المادية و «اللوجيوستيكية» من قبيل: تصميم المدارس، عدد الأساتذة، أساليب الإتصال، التقييم، الدعم الأسري وعدم فاعلية حملات الوعي التي تقوم بها الوزارة.
ولا تختلف وضعية تشغيل الشخص المعاق عما سلف إذا ما يُسجل، في معظم الأحيان، هو غياب الإلتزام الكافي، إن لم يكن عدم إلتزام الدولة والقطاع الخاص بأجرأة نسبة 7% الموكولة للشخص العاق، وكذا عدم احترام تطبيق المقتضيات القانونية المنصوص عليها في مدونة الشغل لصالح الأجير المعاق. ولاشك أن ذلك يجد تبريره في سيطرة مجموعة من العوامل، تأتي في مقدمتها الوضعية الهشّة للإقتصاد الوطني وسيطرة عقلية الربح السريع على المقاولة المغربية، ممّا يجعل المقاربة القانونية والإجتماعية غائبة كليا لدى المقاول المغربي، إذ يظهر ذلك واضحا في سلوك أصحاب رؤوس الأموال إزاء الأسوياء، فما بالك بالأجير المعاق الذي يحتاج إلى رعاية خاصة، يتذرع صاحب المقاولة، غالبا، بعدم قدرته على توفيرها له، نتيجة الأزمة التي يعانيها القطاع الخاص المغربي على عدة مستويات، وكذا نظرا للمنافسة الإقتصادية الشرسة التي يواجهها النسيج الاقتصادي الوطني أمام هجمة العولمة الإقتصادية وشركاتها العبر وطنية العملاقة، التي شيّئت الإنسان وجعلت قيمت
المجتمع المدني العبر وطني: قراءة في المفهوم والوظائف
مقدمة:
بعدما ظلت انشغالات المجتمع المدني محصورة، إلى عهد قريب، في معالجة القضايا الداخلية، التي تشهد عادة تضاربا شديدا بين الدولة و المواطن، ولاسيما فيما يتصل بالمسائل الحقوقية والاجتماعية، أضحى الحديث عن مفهوم المجتمع المدني العبر وطني، أو العالمي يتزايد يوما عن يوم. و ذلك تبعا للتعقيد و التشابك، و كذا التسارع الكبير، الذي تعرفه العلاقات الدولية المعاصرة في ظل العولمة. وهو ما قاد نحو توسيع دائرة إشتغال السياسة الخارجية الرسمية، إذ لم تعد مقتصرة على القضايا التقليدية المتعلقة بالسلاح و«الجيوسياسية»[1]، أي بقضايا السياسة العليا (La Haute politique)، بل أصبحت تشمل القضايا الاقتصادية و التنموية بالدرجة الأولى، بمعنى تلك المرتبطة بقضايا السياسة الدنيا ( La Base politique)، أو ما يسميه البعض بأساس السياسة[2].
و نظرا لعدم قدرة الدبلوماسية في مفهومها التقليدي[3] القيام بكل ذلك، تبعا لتجزؤ (Fragmentation) و تشتّت مهام وزارات الخارجية، لتشمل العديد من المتدخلين الرسميين و غير الرسميين، (إذ صارت أكثر إرتباطا بالأمور التقنية[4]). و كذا موازاة مع قصور دور الدولة- الأمة (L’Etat-nation)، وتراجع وظيفتها في المجالات الإجتماعية، برز مفهوم المجتمع المدني كوافد جديد ذو قدرة خاصّة على ملئ تلك المجالات «المهجورة»، ليس داخل نطاق الدولة الوطنية فحسب، بل أيضا في المحيط الكوني برمته، تبعا للإمكانيات، التي أتاحتها ثورة الإتصال الكوني و العولمة الجارفة[5].
كما أن حدّة التهديدات الجديدة التي أضحت تعرفها العلاقات الدولية لما بعد «نظام يالطا» (الحروب العرقية، الإبادات الجماعية، الحروب الرسمية، تلوث البيئة، إنتشار العنف المسلح الفردي و الجماعي، إنتشار أسلحة الدمار الشامل، الهجرة غير الشرعية، تدهور مركز دول الجنوب..)، جعلت دور المجتمع المدني مهمّا في طرح البدائل، وتولّي المبادرات لمواجهة تلك التهديدات و الدعوة إلى إقرار السياسات التنموية و الاجتماعية، بدل الإستمرار في تكديس الأسلحة و إشعال بؤر التوتر عبر العالم.
فما هي ملامح هذا المجتمع المدني العبر وطني؟. و ما هي مكوناته؟. وأية وظائف جديدة يمكنه تولّيها علي صعيد العلاقات الدولية المعاصرة؟.
أولا : المجتمع المدني العبر وطني: أي مفهوم لأية مكونات؟
لا نكاد نجد إجماعا بين الباحثين حول ماهية المفهوم، الذي يمكن أن يحوزه المجتمع المدني العبر وطني(1)، و نفس الإشكال يعاد طرحه لدى الكلام عن مكوناته(2).
1-هل يمكن الحديث عن مفهوم المجتمع المدني العبر وطني؟
قبل الحديث عن ماهية المجتمع المدني العبر وطني (ب)، سنحاول الوقوف عند دلالات المجتمع المدني الوطني ( La Société Civile Nationale )، أو الداخلي و سياقات نشأته (أ).
أ-المجتمع المدني الوطني: الدلالة و السياق.
ليس من السهولة بمكان إيجاد تعريف موحّد و متفق عليه لمفهوم المجتمع المدني الوطني؛ إذ إن الحقل الدلالي و المفاهيمي (حقل العلوم الإنسانية و الاجتماعية)، الذي ينتمي إليه، يتسم بالنسبية و غياب المطلق في إصدار الأحكام و تقديم التعاريف. و تبعا لذلك فالمفهوم يتميز بقدر غير يسير من الغموض و الإبهام.
و بالرجوع إلى البدايات التاريخية الأولى، التي شهدت أولى مراحل نشأته، كمفهوم و مصطلح داخل القارة العجوز: أوروبا، مع كثير من المفكرين و الفلاسفة و السياسيين، (ما دام أن وجوده كواقع كان سابقا لنشأته كمفهوم و مصطلح ذو دلالات إيديولوجية معينة[6])، نجد تضاربا بارزا بينهم بخصوص حقيقته، تبعا لاختلاف المرجعيات الفكرية والإيديولوجية، التي توجّه الباحثين، الذين انبروا إلى مقاربته و تفكيك عناصره.
فإذا كان «جون جاك روسو»(J.J Roseaux) اعتبر أن المجتمع المدني يشكل نقيضا للمجتمع الديني، و بأن المجتمع المدني و المجتمع اللائكي يمثلان شيئا واحدا[7]، فإن الفيلسوف الألماني ذو الطرح المثالي: هيجل (Hegel)، رأى أن المجتمع المدني، في إطاره الأوروبي، ضمّ أساسا قطاعا واسعا من البرجوازية، التي شكَلت طبقة جديدة في القرن الثامن عشر و التاسع عشر؛ إذ كان هدف الدولة، هو تجاوز هذا المجتمع الموسوم مدنيا من أجل تحقيق التناغم العام[8].
بيد أن الفكر الماركسي مجسّدا في التيار الغرامشي تجاوز ذلك نحو تثوير المفهوم و إكسابه بعدا ثوريا و نضاليا، يتساوق مع رؤية الماركسية للإنسان والعالم والأشياء؛ إذ رأى المفكر الإيطالي «أنطونيو غرامشي» أن المجتمع المدني الوطني لم يتجسد بشكل قوي و حقيقي داخل أوربا، إلا بعد ارتباطه بنضالات الطبقة العاملة (La Classe Ouvrière)، الهادفة إلى تخليص المجتمع من سلطة الدولة الرأسمالية و إحلال محلها دولة بدون طبقات، أي الدولة الإشتراكية، التي أثبتت التجربة السوفياتية فشلها، والتي نفت مفهوم المجتمع المدني قبل أن تنفي مفهوم الدولة، نتيجة الإنفصال التام، الذي ظل حاصلا بين الحزب الشيوعي الحاكم و باقي مكونات المجتمع.
و بقدر ما عملت الإيديولوجية الاشتراكية على نفي المفهوم طيلة (40) سنة الأخيرة من القرن العشرين، أي على الأقل من 1950 إلى 1990، فهي قادت إلى ظهوره من جديد. كيف تم ذلك؟.
لاشك أن انهيار الإمبراطورية السوفياتية، و تراجع وهج الإيديولوجية الماركسية و خفوته، قاد العديد من النخب المؤمنة بالفكر الاشتراكي إلى البحث عن بديل إيديولوجي جديد، يمكّنها من مواصلة نضالها ضد الرأسمالية، و يكسبها في الوقت نفسه شرعية الوجود السياسي، لاسيما بالنسبة لتلك الفئة، التي ظلّت تمانع من الإندماج في دواليب «النظام العالمي الجديد» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ قادها بحثها المضني إلى التخلي عن الطبقة العاملة، والاتجاه نحو البديل الإيديولوجي الاحتجاجي: البيئي، الإجتماعي، الإنساني و التنموي، حيث صارت تحتل مكانة بارزة ضمن مؤسساته و أجهزته التقريرية و التنفيذية، سواء تعلق الأمر بمنظمة السلام الأخضر (Green peace) البريطانية، أو منظمة «أطاك»(Attac) الفرنسية المناهضة للعولمة.
و عموما، يمكن تعريف المجتمع المدني الوطني بكونه يمثّل مجموع الهيئات و المؤسسات المدنية غير الحكومية العاملة داخل المجال الوطني لدولة ما، بهدف الدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها: مصالح إجتماعية، اقتصادية، تنموية… بصفة تطوعية مبدئيا، و بواسطة أشكال نضالية و إحتجاجية معينة، ينبغي أن لا تكون ذات مقاصد سياسية بالضرورة، رغم أنها قد تحضر أساسا بطريقة غير مباشرة، لصعوبة فصل المجال السياسي عن غيره من الحقول المحايثة له : الحقل المدني و الاجتماعي. و كمثال على ذلك نذكر جمعيات حماية المستهلك و الجمعيات الحقوقية و الجمعيات النسائية…
و رغم صعوبة الحديث عن وجود مجتمع مدني وطني مهيكل و مستقل في دول العالم الثالث، فقد قادت التحولات السياسية و الاجتماعية، التي جرت، لاسيما داخل الدول العربية و الإسلامية، نحو ظهور مجتمع مدني ذو بعد إحتجاجي نتيجة لمجموعة من العوامل الداخلية المرتبطة بالحراك السياسي، الاقتصادي و الاجتماعي المتعثَر من جهة. و كذا تبعا لمجموعة من العوامل الخارجية، المتصلة بالإتهامات الأمريكية والغربية للمنظومتين العربية و الإسلامية بغياب الديمقراطية و قيم المشاركة السياسية، و تفريخ الإرهاب و رعايته، و التي تحوّلت إلى تدخلات عسكرية عنيفة في كل من أفغانستان و العراق تباعا[9].
بيد أن ذاك المجتمع لم يبرز بصيغة حقيقية، مستقلة و فاعلة، بإمكانها المساهمة بشكل جدي في ملامسة تطلعات المواطن العربي والدفاع عن مصالحه، في ظل الانسحاب الذي تشهده سلطة الدولة من المجال الاجتماعي المهمّش أصلا، لصالح الفاعلين الخواص الوطنيين و الأجانب كما سلف.
و لعل دراسة هيكلة و أهداف مؤسسات المجتمع المدني الناشئة داخل المجال الوطني العربي و الإسلامي، تحيل على وجود ثلاث عوامل، تحُدَ من انبثاقه بشكل فاعل و مستقل، هي كالتالي:
- غالبا ما تكون هيئات المجتمع المدني الناجحة و ذات العمل المستمر، مرتبطة أشد الارتباط بالسلطة السياسية القائمة و مموّلة، في جزء كبير منها، من لدنها مثل حالة العديد من الجمعيات المبثوتة في الوطن العربي راهنا، الأمر الذي يضمن عدم خروج تلك الهيئات عن المسارات المرسومة لها مسبقا، أو إتخاد ما من شأنه أن يهدد مصالح الدولة و القائمين عليها ؛
- في حالة عدم وجود إرتباط مباشر بين المجتمع المدني و الدولة غالبا ما يكون ذلك عن طريق وسطاء، أو وكلاء سياسيين، أو مدنيين، يتولون تأمين سفينة المجتمع المدني، و هو ما يؤدي إلى إندغام مصالحه مع مصالح الطبقة السياسية الحاكمة بشكل غير مباشر كمحصّلة نهائية ؛
- ارتباط بعض الهيئات المدنية إما بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة بالخارج، سواء بشكل قانوني في إطار عملية التضامن المدني العبر وطني المسموح به من لدن الدولة (حالة الجمعيات ذوي الأشخاص في وضعية خاصة مثلا..)، أو بشكل غير قانوني أحيانا( ما يسمّى بالجمعية المغربية الأمازيغية- الإسرائيلية مثلا..). و هو ما يطرح بحدة مشكل التبعية لدى تلك الهيئات، و إعتبارها مجرد واجهة لخدمة مصالح بعض التكتلات الخارجية، ذات الأهداف الثقافية و السياسية في آخر المطاف من قبيل: تسييد الإحتكار الثقافي الغربي، و محاربة الإسلام و الثقافات المحلية، كما هو الحال مع الجمعيات التنصيرية الجديدة، أو ما يسمى بالانجليون الجدد؛
- خضوع تلك، التي تتجرأ على إعلان استقلالها عن الداخل و الخارج، و تشبثها بمصلحة المواطن المقهور لضغوط الدولة و مراقبتها، هذا إن لم يتم مزاحمتها من لدن أجهزتها المدنية الرسمية، أو شبه الرسمية السالفة، الأمر الذي يحدّ من مجهوداتها و يقزم مبادراتها. و كذا يحول دون تطورها و نموها بشكل طبيعي، بل يتم في كثير من الأحيان الإجهاز على قدراتها التواصلية على المستوى الوطني والعبر وطني مثل الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان…
ب- المجتمع المدني العبر وطني: النشأة و التطور.
يُعدَ المجتمع المدني العبر وطني حديث النشأة نسبيا مقارنة بالمجتمع المدني الوطني؛ إذ إن كثيرا من الباحثين لا يرون تمّ إمكانية للحديث عنه قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، و ما تبعها من زلازل «جيوبوليتيكية»، أنتجت تفكّكا متدرجا للإمبراطورية السوفياتية، و كانت الحركات المدنية الإحتجاجية قد أسهمت فيه بشكل كبير و مؤثَر، على شاكلة تلك، التي واجهها النظام الشيوعي في بولندا، تشيكوسلوفاكيا، بلغاريا و رومانيا فترة قصيرة قبل سقوطه[10]؛ حيث كانت بمثابة آلية للتغيير شملت ربوع الإمبراطورية. و لم تقتصر أثارها على بعض الدول الاشتراكية دون غيرها، بل لامست حتى الدول الاشتراكية الواقعة خارج الرقعة «الأوراسية» بتعبير الإستراتيجي الأمريكي «زبغنيو برجنسكي» (ZbigniewBrzezinski)[11] مثل دول أمريكا اللاتينية و بعض دول جنوب شرق آسيا، التي نشطت فيها المنظمات المدنية ذات البعد الحقوقي و النقابي العالمي ضد السلطات الماركسية و الإشتراكية القائمة هناك.
و نتيجة لكل ذلك، إعتُبر المجتمع المدني العبر وطني إفرازا مباشر للتحولات، التي شهدها العالم إثر إنهيار المعسكر الإشتراكي، موازاة مع الدور المتزايد و المهم، الذي أصبحت تلعبه المنظمات غير الحكومية (O.N.G) في مسار التحولات الديموقراطية و حقوق الإنسان. و كذا في التلطيف من حدة تأثيرات العولمة[12] بجوانبها الثلاث: الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية.
بيد أننا لا نتفق مع هذا الرأي، الذي يبدو سطحيا أكثر من اللازم؛ فبروز المجتمع المدني العبر وطني في العلاقات الدولية المعاصرة، يمكن أن نؤرخ لظهوره بالحقبة التي سبقت وضع الحرب العالمية الثانية لأوزارها في سنة 1945، و تأسيس منظمة الأمم المتحدة بموجب ميثاق سان فرانسيسكو في السنة نفسها بالولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها أعطت الإنطلاقةلظهور مجموعة من المنظمات الغير حكومية و المدنية المتخصّصة، و المرتبطة، في غالبها الأعم، بالأنشطة الأممية السلمية و التنموية لإمتصاص مخلفات الحرب. هذا إن لم يكن ممكنا أن نسجّل لحظة ظهوره مع انبثاق المنظمات المدنية التقليدية ذات الطابع الإنساني، التي عرفت النور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. و أسهمت في العديد من المؤتمرات المنصبّة على القانون الدولي الإنساني، أو قانون الحرب (Le droit de la guerre ) مثل مؤتمر1899 و 1907، و كمثال على تلك المنظمات نذكر منظمة الصليب و الهلال الأحمرين الدوليين.
و لم ينفلت المجتمع المدني العبر وطني(eSociété civile transnational) بدوره من خاصية الغموض والإبهام، التي تطبع المجتمع المدني الوطني، فضلا عن التضارب الحاصل حول مفهومه و ماهيته؛ فثارة يستند الباحثون في تعريفه إلى صبغته العابرة للحدود، التي تجعل منه هيئة متعددة الفروع رغم وحدة المراكز، و تارة أخرى يتم النظر إليه بناء على طبيعة مؤسساته و طريقة إشتغالها. و في أحيان أخرى يلجأإلى تحديد حقيقته بناء على حجم تأثيره، و مدى إمتداد ذلك التأثير ليشمل المجالات العبر وطنية (Transnational)، أو ما بين الدول (Interétatique).
و لعلّ من سمات الإختلاف المفاهيمي والمصطلحي الحاصل حوله في هذا المجال، نجد إختلافا بيّنا حول التسمية، إذ يفضل «روبرت أوبريان»(R. O. Bryan)[13]نعته بالمجتمع المدني العالمي، و يطلق عليه كل من «بي جي» و «آن فلوريني» إسم المجتمع المدني العبر قومي[14]. بينما يسمّيه «مندي» و «ميرثي» بالمجتمع المدني الدولي، في حين يسمّيه البعض الآخر بالمجتمع المدني العبر وطني، و هو نفس المفهوم، الذي أثرنا إستعماله في معالجة هذا البحث، إذ وظّفناه في مقابل المجتمع المدني الوطني.
يرى «فايست» (Thomas Faist) أن المجتمع المدني العبر وطني يضم « أشخاصا و مجموعات و منظمات في مختلف الدول، تتفاعل بكل معنى، عبر ساحات سياسية متنوعة، من خلال مجالات مكثّفة من التفاعل للتعبير عن المصالح الديمقراطية»[15]. أما الباحث «كنت ألبرت جونز» فيعتبره « زخم من المجموعات المتّصلة عالميا بمصلحة عامة مثل النوعية البيئية و شروط العمل، أو حقوق الإنسان، أو بصيغة غير مباشرة المنافع الإقتصادية المرتبطة بتوسيع التجارة، سواء أكانت، أو لم تكن منظّمة عالمية، أو مجموعة ذات مصلحة سياسية »[16].
و يبدو أن تعريف الأستاذ مصطفى كامل السيد يبقى الأقرب إلى الوضوح و الفهم، إذ يرى أن المجتمع المدني العبر وطني هو « فضاء مفتوح داخل حدود الدولة القومية (…)، يتألف من تلك المنظّمات و المؤسسات و الممارسات غير الحكومية، التي يقوم بها المواطنون بمبادراتهم هم، و ليس من حيث المبدأ استجابة لأوامر أية حكومة، حتى و لو كانت حكومتهم القومية، و يتوجه إهتمامها خارج حدود الدولة القومية، أو ينصبّ على ما تقوم به هذه الدولة خارج حدودها»[17].
و لعلّ ممَا يستفاد من مجمل هذه التعريفات أن المجتمع المدني العبر وطني يختلف كثيرا عن المجتمع المدني الوطني، أو الداخلي على عدة مستويات، يمكن تحديد ثلاث منها:
- المستوى الأول، يتعلق بكون نشاط المجتمع المدني العبر وطني، هو موجّه بالأساس نحو ما يقع خارج حدود الدولة القومية، أو ما تقوم به هذه الدولة، أو مؤسساتها العامة والخاصة خارج حدودها، أو نحو تلك القضايا، التي تقع خارج إختصاصاتها، أي فيما وراء مجالها الإقليمي، في حين أنّ المجتمع المدني الوطني، يبقى مرتبطا في غالب الأحيان بالقضايا المحلية و الوطنية ؛
- المستوى الثاني، ينصب على العضوية، التي تكون في المجتمع المدني الوطني مقصورة، و بموجب القانون، في غالب الأحيان، على مواطني الدولة القومية. أما عضوية المجتمع المدني العبر وطني فتكون العضوية داخل مكوناته مفتوحة أمام المواطنين من دول مختلفة، وهو ما يعزَز أطروحة أنصار نظرية «المواطنة العالمية». و كذا أولئك الذين يرون أن الفرد أصبح فاعلا جديدا في حقل العلاقات الدولية المعاصرة[18]، وأن إطارات المجتمع المدني العبر وطني ما هي إلا إحدى تجلياته الممكنة على المستوى العبر وطني؛
- المستوى الثالث يرتبط بطبيعة القواعد القانونية، التي يخضع لها كلا المكونين، حيث أن القواعد، التي يخضع لها المجتمع المدني العبر وطني تبقى، جزئيا، قواعد دولية. أما المجتمع المدني الوطني فيخضع أساسا للقواعد الوطنية التي تسنّها دولته[19].
لا شك أن الحديث عن مفهوم المجتمع المدني العبر وطني يجرّنا قسرا إلى إستطلاع مكوناته، فما هي؟.
2-مكونات المجتمع المدني العبر وطني.
من الطبيعي أن يُولّد الإختلاف الحاصل حول مفهوم المجتمع المدني العبر وطني، إختلافا آخر حول مكوناته وهيئاته؛ فرغم إقرار معظم الباحثين بالطابع التطوعي، المدني وغير السياسي للمفهوم. و إجماعهم على إخراج كل مؤسسة تهدف البلوغ إلى مراكز القرار السياسي مثل الأحزاب و المنظمات الدولية الحكومية من دائرة مكوناته، يبدو من الصعب فصل العامل السياسي عن غيره من العوامل الأخرى داخل المجتمع المدني الوطني و الدولي على حدَ سواء، كما سلف. و لعلّ هذا هو سرّ إنعدام الإجماع بين الباحثين و رجال القانون حول عناصره و مكوناته.
وبالرجوع إلى مضامين القانون الإتفاقي الدولي[20]، باعتباره يجسّد دوما سموه وأولويته على القوانين الوطنية في معظم الدساتير المعاصرة[21]، نجد أنّ أدبيات منظمة الأمم المتحدة تعرّف المجتمع المدني، سواء منه ذو الطابع الوطني، أو العبر وطني بكونه يشكل «مجموع الكيانات القانونية ذات الطابع الوطني الإقليمي، أو الدولي من غير الحكومات الفيدرالية و المنظمات الدولية الحكومية»[22].بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق يبقى متعلقا بطبيعة هذه الكيانات، و نوعية العلاقات العبروطنية الرابطة فيما بينها؟.
و تجاوزا للخلافات الفكرية و الإيديولوجية الحاصلة حول مكوناته، يمكن تحديدها كما يلي:
1- منظّمات المجتمع المدني المحلية، التي يمتد نشاطها أحيانا خارج حدودها مثل منظمات الخضر، أو المحافظة على البيئة و حماية المستهلك في الدول المتقدمة ؛
2- المنظمات غير الحكومية العبر وطنية، التي يمتد نشاطها خارج الدول، التي تتواجد بها مثل لجنة الحقوقيين الأمريكيين و منظمة الشفافية الدولية ( Transparancy International)؛
3- المنظمات الدولية غير الحكومية، التي تكون العضوية فيها مفتوحة أمام مواطنين من مختلف الدول مثل منظمة العفو و الصليب الأحمر الدوليين ؛
4- الاتحادات النقابية و العمالية العالمية، التي تمثّل تكتّلا للمنظمات النقابية الوطنية مثل الإتحاد الدولي لنقابات العمال الحرّة، الإتحاد الدولي لنقابات العمّال العرب، الإتحاد الإفريقي لنقابات العمال…؛
5- أدوات الإعلام الدولية، التي تتوجّه أساسا لجمهور عالمي. و في مقدمتها شبكات الاتصال السمعي المرئي الدولية مثل التلفزيون الرقمي و الساتل…، و لاسيما المستقل منها عن الحكومات، والتي تخاطب جمهورا متعدّد الجنسيات و اللغات و الثقافات، و أبرزها على الصعيد الدولي شبكة «CNN» الأمريكية. أما على الصعيد الإقليمي فنشير إلى الشبكات الإعلامية العربية مثل الجزيرة و العربية؛
و لا شك أن قيمة هذا المكون الأخير لا تتمثّل في كونه واحدا من مكونات المجتمع المدني العبر وطني أكثر من كونه يمثل حلقة وصل رئيسية بين هذه المنظمات و أداة لإعلام الرأي العام الدولي بنشاطها، بل و لممارسة الضغوط على الحكومات أحيانا إستجابة لنداءاتها[23]؛
6- الحركات الإجتماعية (Les mouvements sociales)، التي تعد بمثابة منظمات و مؤسسات تجمعها قيم مشتركة، بغض النظر عن إختلاف الخلفيات الثقافية و الإجتماعية لأفرادها. و قد يكون وجودها عابرا مؤقّتا مثل الحركات الاجتماعية، التي تدوم بدوام المشاكل، التي تناضل في مواجهتها مثل الحركات المعادية للعولمة و التحالف المعادي للحرب ضد العراق، و كذا حركات السلام و البيئة و الحركات النسائية…
و يمكن أن ندخل ضمن طائفة هذه المكونات تلك المحافل و المؤتمرات الدائمة، أو المؤقّتة لمنظّمات المجتمع المدني مثل المؤتمرات الموازية، التي تنظّمها الأمم المتحدة، كما جرى بـ:«قمّة الأرض»في «ريو دي جانيرو»(Rio de Janeiro)بالبرازيل سنة 1992، أو مؤتمر السكان و التنمية الذي عقد بالقاهرة في سنة 1994، أو المنتدى الإقتصادي العالمي الذي صار يعقد أساسا في «دافوس»(Davos) منذ سنة 1971، أو المنتدى الإجتماعي العالمي، الذي أخذ يعقد في «بورتو أليجري»(Puerto Alegria) منذ سنة 2002...
و الأمر نفسه ينطبق على التجربة الأوربية- الإفريقية، التي أضحت تعقد مؤتمرات موازية للمجتمع المدني على غرار تلك، التي تتمّ على أساس حكومي بين الإتحاد الأوربي ودول إفريقيا مثل «مجموعة 5+5» والقمة الأوربية-الإفريقية…، لمعالجة المعضلات الاقتصادية، السياسية و الأمنية، التي تطرحها العلاقة المختلّة و اللامتكافئة بين ضفتي المتوسط.
بيد أنه لا ينبغي في الأخير إغفال الحركات الدينية الدعوية، سواء منها ذات الطابع الإسلامي مثل حركة التبليغ والدعوة وحركة التوحيد والإصلاح بالمغرب، أو الحركات التنصيرية، التي يقودها الإنجليون، أو اليسوعيون الجدد داخل العالمين العربي و الإسلامي موازاة مع إستراتيجية التدخل العسكري القسري التي يقودها الغرب المسيحي الرسمي : دولا و حكومات.
و تجدر الإشارة إلى أن هذه المكونات المذكورة لا تعدّ متجانسة في خلفياتها الفكرية، ولا في مواقفها من العديد من القضايا، إذ تختلف في ذلك بحسب موقع كل منظمة و القائمين عليها؛ فبالنسبة للموقف من الدين مثلا نجد منظمات مدنية عبر وطنية علمانية مثل منظمات حقوق الإنسان، و منظمات دينية مثل الكنيسة الكاثوليكية، و تنظيم الإخوان المسلمين في مصر. والشيء نفسه يقال مع ظاهرة العولمة؛ فبينما تقف الإتحادات العمالية العبروطنية و المنظمات المعادية للرأسمالية موقف رافض للعولمة، تدعو منظمات أصحاب رؤوس الأموال و بعض مؤسساتهم الفكرية بحماس لهاكالشركات متعددّة الجنسية.
إن قائمة هذه المنظمات لا يمكن بأيَ حال حصرها، أو حصر عددها و طبيعة مكوناتها، إذ إن التطور المتسارع الذي تشهده المجتمعات الوطنية، و المشاكل الناتجة عن العولمة و الإعتماد المتبادل بين الإقتصاديات الوطنية و فيما بين القوميات، أصبح يفرض إيجاد وسائط و قنوات فاعلة لتصريف تلك المشاكل و التناقضات بطريقة سليمة و مقبولة، و هو ما يؤدي إلى إستنساخ مضطرد في نوعية المنظمات المدنية، التي يبدو أنَها باتت تمثل «فاعلا جديدا» في العلاقات الدولية، الأمر الذي يدفع نحو ضرورة التساؤل عن حجم التأثير، الذي تمارسه على صانعي القرار السياسي الخارجي للمنظومة الدولية المعاصرة؟. و كذا عن طبيعة الأدوار الجديدة التي أمست تضطلع بها على المستوى العبر وطني؟.
ثانيا: الوظائف الجديدة للمجتمع المدني العبر وطني: الإمكانيات والمعيقات.
لعل ممّا يلاحظ على طبيعة السلوكات، التي تقود تفاعل منظمات المجتمع المدني العبر وطني مع القائمين على دائرة صناعة القرار الخارجي الدولي المعاصر، هو ضعف وخفوت التدخلات الفاعلة و التأثير المباشر لها في صياغة القرارات السياسية الخارجية الخطيرة المرتبطة بالحرب و السلام، سواء فيما يتصل بمرحلة التصورات و إعداد القرارات، أو تنفيذها، إذ يبقى دورها تابعا، و مقصورا على إمتصاص مفعول صدمات تلك القرارات من جهة، كما أنّها قد تتولى بعض الأدوار التنفيذية الموازية على هامش السياسة الخارجية الرسمية من جهة أخرى.
و لا شك أن ذلك يختلف من منظومة سياسية إلى أخرى، و يكرّس في الوقت نفسه سيادة منطق السياسات العليا و السياسات الدنيا المشار إليها في تدبير الدولة لعلاقاتها مع مكونات المجتمع المدني سواء الوطني منه، أو العبر وطني؛ إذ عادة ما يبقى دورها محصورا ضمن قائمة السياسات الدنيا، التي لا ترى الدولة أهمية كبرى في إحتكارها كما سبق.(2)
بيد أنه رغم ذلك تستمر المنظمات المدنية العبر وطنية، كلما وجدت الفرصة، في الإضطلاع بأدوار تقريرية رائدة في كثير من المجالات الإنسانية، التنموية، الإجتماعية و التضامنية على المستوى العالمي. و هو ما يطرح ضرورة إيجاد ميثاق قانوني و إتفاقي دولي جاد و فاعل، يسهم في تطوير المنظومة المدنية العبر وطنية، لتمكينها من القيام بأدوارها المطلوبة في مجال محاربة الفقر والأمراض و الهشاشة و النزاعات العرقية والحروب الرسمية وغير الرسمية، و ضمان الحماية الكافية لأفرادها، دون إغفال الأدوار الإقتصادية المساعدة، التي يمكن الإضطلاع بها للحدّ من الآثار الوخيمة للعولمة على ساكنة الجنوب والعالم النامي (1).
1- الوظائف الإجتماعية، السلميّة والتضامنية للمجتمع المدني العبر وطني.
بدأت الإستراتيجيات التنموية لمنظمة الأمم المتحدة و الوكالات المتخصّصة التابعة لها تعتمد المجتمع المدني كشريك هام و رئيسي في تحقيق التنمية العالمية (أ)؛ إذ أصبح يتولى أدوارا طلائعية في معالجة بعض المشكلات الناتجة عن إنتشار الأمراض و دعم النازحين و اللاجئين في النزاعات المسلّحة، فضلا عن حماية الأقليات المهددة..(ب).
أ-المجتمع المدني في برامج الأمم المتحدة: شريك مستقبلي متميّز.
يحتل المجتمع المدني مكانة هامة و متميّزة في البرامج التنموية للأمم المتحدة، إذ يكشف التصفح المتأني لموقع المنظمة الأممية على الأنترنيت،[24] و لمجموع الخطابات، التي تصوغها حول نفسها، عبر أدبياتها السياسية، الاقتصادية و الثقافية، عن الإهتمام المتزايد، الذي توليه منظمة الأمم المتحدة للمجتمع المدني العبر وطني كفاعل، ممكن ومتميز و كشريك من أجل تحقيق السلام و التنمية، و درئ الحروب المعتبرة بمثابة الأهداف الرئيسية، التي أنشئت من أجلها.
و هكذا، نجد أن الأمم المتحدة تسند للعديد من المنظّمات الدولية غير الحكومية و منظمات المجتمع المدني دورا أساسيا في المؤتمرات الرئيسية للأمم المتحدة، بوصفها شريكا لا غنى عنه في دعم الجهود التنموية الأممية، سواء على الصعيد المحلّي، الإقليمي، أو الدولي. و قد أكدّ ذلك الأمين العام الحالي للمنظمة السيد «بان كي مون» مباشرة بعد تنصيبه على رأس المنظمة في سنة 2007 خلفا للسيد كوفي عنان حين قال: «..و أنا عاقد العزم على التقدم خطوة خطوة في معالجة القضايا الملحّة التي تواجهنا حاليا، بالإستفادة من الإنجازات التي تتحقق خلال مسيرتنا و بالتعاون مع الدول الأعضاء و المجتمع المدني».[25]
و يتم ذلك ،غالبا، من خلال التشاور مع منظمات المجتمع المدني بخصوص السياسات و البرامج المزمع تطبيقها في مجال محاربة الفقر و الأمراض و المطالبة بنزع السلاح. و أيضا عبر إستضافتها في جلسات الإحاطة و الإجتماعات و مؤتمرات ممثلي المجتمع المدني، سواء لدى الأمم المتحدة، أو لدى وكالاتها المتخصصة.
و تبعا لهذا الاهتمام، فقد أحدثت المنظمة الأممية قسما خاصا بالمنظمات غير الحكومية و المجتمع المدني، يتولى إدارة و تدبير الشراكة بين المنظمات و الهيئات المدنية، التي بلغ عددها 13.000 منظمة مدنية ، فضلا عن 1000 منظمة من منظمات الشعوب الأهلية، أي المنظمات المدنية المدافعة عن حقوق الأقليات الموجودة على قائمة منظمات المجتمع المدني المسجّلة لدى إدارة الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية. و يوفر التسجيل لدى هذه الإدارة للمنظمات المدنية أحقية الحصول على مركز إستشاري بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بعد تقديم طلب بذلك[26].
ب- أي دور للمجتمع المدني عبر الوطني في تحقيق التنمية والسلم العالمي؟.
بقدر ما أدت التهديدات الجديدة، التي أفرزها إنهيار الثنائية القطبية إلى ظهور تنظيمات مدنية عبر وطنية جديدة، و إعادة هيكلة تلك الموجودة قبلا، لتتلاءم إستراتيجياتها النضالية و الاحتجاجية مع طبيعة و نوعية، و كذا حجم تلك التهديدات، فقد أدت العولمة و ثورة الإتصال الكوني، التي إختزلت الأزمنة و الأمكنة إلى تعميم آثار نشاط تلك المنظمات على مجموع دول المعمور؛ إذ صارت المهام التضامنية للمجتمع المدني تتجاوز حدود الدولة الواحدة، لتعانق ما هو كوني كما سلف.
فقد صار إضطلاع المجتمع المدني العبر وطني بالأدوار التنموية المنوطة به اليوم أكثر إلحاحا في ظل العولمة الإقتصادية الشرسة، و سيادة النمط الرأسمالي للاقتصاد الدولي، بما يخلّفه من مظالم اجتماعية و إنسانية شديدة التأثير على شريحة عريضة من ساكنة العالم، لاسيما بمنطقة الجنوب.
و لا شك أن منظمة الأمم المتحدة، و نتيجة القصور الذي تعرفه برامجها في المجال الإنساني و التنموي، أصبحت في حاجة ماسّة إلى إسناد جهودها بجهود المجتمع المدني العبر وطني، سواء من خلال الحركات المناهضة للعبودية، و الإسترقاق في صيغتها الحديثة المرتبطة بالرقيق الأبيض و تجارة البشر (Les Nouveaux Anti-exlavagistes) ، أو بالحركات النسائية[27](Les Mouvements Femenistes) .و كذا المنظمات المدنية ذات الطابع الاقتصادي و الاجتماعي مثل منظمة «الشفافية الدولية»(Transparancy International) ، و «المنتدى الاجتماعي العالمي»، الذي يَعقد بشكل سنوي منذ 2001 في دول مختلفة[28]. و أيضا «المنتدى الاجتماعي الأوربي»، الذي عرف إنبثاقه من مظاهرات سياتل سنة 1999 المناهضة للعولمة. و قد أكّدت التظاهرات الكبرى التي نظمها التيار الإجتماعي في «بورتو أليغرى» و «فلورانسا» و «أفيان» و «سان ديني» بباريس… حجم التغيير الهائل الذي أحدثته مقاييس العولمة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. كما كان لهذا الحراك المدني مفكريه البارزين أمثال عالم اللسانيات الأمريكي «ناعوم تشومسكي»(Naom Chomsky)، و عالم الإجتماع الفرنسي الراحل «بيير بورديو»(Pierre Bordeau)، والفيلسوف الإيطالي «توني نغري»( Tony Negri)، و له إصداراته و إعلامه و تسنده العديد من التشكيلات السياسية مثل بعض الأحزاب اليسارية و حركات الدفاع عن البيئة، فضلا عن إرتباطاته الوثيقة بحركات التحرر و منظمات حقوق الإنسان في بلدان الجنوب.
و كما سلف أصبحت منظّمات المجتمع المدني من العناصر الفاعلة و المهمّة في تن
كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 19 يناير 2011
الساعة: 16:33 م
نشر موقع المعراج مقالا جديدا للباحث د. عبدالنبي بورزيكي حول تداعيات الولاء الأمريكي اللامحدود لإسرائيل على الشعب الأمريكي، للإضطلاع يرجى فتح الرابط التالي:
كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 20 نوفمبر 2010
الساعة: 14:30 م
نشرت المجلة المغربية للسياسات العمومية (REMAPP) مقالا للباحث د. عبدالنبي بورزيكي حول الأحزاب وملف الصحراء. وذلك في عددها السادس لخريف 2010، ص ص. 135-156.
يمثل ملف الصحراء أحدالملفات الشائكة في الحياة السياسية المغربية، التي طال أمدها وأضحت تستعصي عن المقاربة والحل[1]؛ فبالقدر الذي تحكمت به القضية في تشكيل طبيعة علاقات المغرب بمحيطه المغاربي، العربي-الإسلامي، الإفريقي والدولي إما سلبا، أو ايجابا، فهي عملت أيضا، وبنفس الحدة، على هيكلة علاقات النظام السياسي بباقي الفاعلين السياسيين داخليا، إذ ما فتئت المسألة الترابية تمثل عامل توتر دائم بين السلطة وأحزاب الحركة الوطنية لمدة ليست بالقصيرة[2]؛ ففي الوقت، الذي كانت تنفرد فيه المؤسسة الملكية بالإشراف على تدبير مجريات الملف، ضلت أحزاب المعارضة التاريخية تطالب بضرورة إشراكها في تدبيره، اعتبارا لحجم النظال التاريخي والوطني، الذي تولته في تحصيل الإستقلال، الذي جاء ثمرة كفاح مشترك في ما بينها وبين المؤسسة الملكية[3].
وإذا كانت فترة منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، قد شكلت لحظة مفصلية بكل المقاييس في تعاطي النظام السياسي مع ملف الصحراء؛ لكونها قادت نحو تحقيق نوع من التوافق بين المؤسسة ا
كتبها عبدالنبي-عبدو- بورزيكي ، في 7 نوفمبر 2010
الساعة: 11:08 ص
نشرت المجلة العربية للعلوم السياسية الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية من بيروت (لبنان)مقالا للباحث د. عبدالنبي بورزيكي. وذلك في عددها (28) لخريف 2010. للإطلاع، يرجى فتح الرابط التالي:
لم يأخذ التعاون فيما بين دول المعمور شكلا موحّدا وقارا، بل ظل يتغير بتغير أطرافه والظرفيات التاريخية والأمنية، وكذا السياسية التي أطّرته. فإذا كان التعاون الدولي في ما بين الأطراف الأوروبية قد اقتصر إبان نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على المسائل التقنية والفنية والإدارية، دون أن ي